Sunday, May 11, 2008

زجاج أسود ووسادة مبللة

عم فكرى
نوبي بشوش الوجه كعادة أهل النوبة، ضابط شرف في الجيش اعتدت أن أراه منذ سنوات عديدة كلما ذهبت عند خالي، كان يقص علينا حكايات ونحن في انتظار خالي حتى يفرغ من عمله،
من بين ذكرياته المؤثرة ما كان يحكيه عن حرب اليمن، أتذكر يوما ختم حديثه عن هذه الحرب الصعبة بالإشارة بيده إلى اليافطة الموجودة على مكتب خالي تحمل أسمه على خلفية زجاجية سوداء، وسألنا:
ـ هل ترون هذا اللون الأسود؟ والله لقد شاهدنا أياما أسود منه
الكلمة سكنت قلبي ومازلت أتذكرها كلما رأيت لوحة أسماء على خلفية زجاجية سوداء

ثم منذ سنوات ليست بالقليلة كنت أعمل فى مهنة أساسها السفر، وقد أتاحت لي هذه المهنة زيارة بلدان لم أكن أتخيل لحظة فى السابق أنى سأزورها
جمعتني الظروف مساء ما في هذا البلد البعيد البعيد بعدد من العائلات المصرية والعربية، ثم إذا برجل في حوالي الستين من عمره يدخل أثار شديد انتباهي لسببين: أولا آثار وسامته الشديدة التي جعلتني أتساءل كيف كان يبدو مثلا وهو في الثلاثين من عمره؟ وثانيا لأنه دخل المنزل وتتأبط ذراعه فتاة جميلة للغاية لا تتعدى الخامسة والعشرين وقدمها لنا على أنها صديقته
دار بيني وبينه حوار وحين علم بمصريتي بدأ يقص قصته والتي سأختصرها جدا فى هذا السياق رغم أنها تستحق الكتابة بتفاصيلها المثيرة فى بوست لوحده
هو فلسطيني ترك بلاده بعد حرب 48 وجاء لمصر لاجئا لم يتم العشرين من عمره، ثم شاهد فى أحدى الأفلام الوثائقية صورا لمدينة ريو دى جانيرو، انبهر بها وصمم منذ تلك اللحظة على الهجرة للبرازيل، ونظرا لفقره فلم يجد بديلا سوى العمل على إحدى السفن من ميناء الإسكندرية حتى وصل للبرازيل بعد عدة أشهر
أيامه وسنواته الأولى فى الغربة بلا مال ولا لغة كانت مريرة
وختم حديثه قائلا:شاهدت فترات سوداء، كم مرت على ليال كنت أبكى طويلا قبل نومي حتى تتبلل وسادتي تماما فأقلبها على الجهة الأخرى حتى أستطيع أن أضع رأسي عليها

لا أتذكر اسم هذا الرجل الآن ولكن أتذكر صورته وصورة صديقته وحديثة الخلاب عن ذكرياته بصراحة رغم عدم سابق المعرفة، كذلك أتذكر التناقض الخارجي الشديد بين مظهره وبين حكاياته

مرت أعوام ووقعت فى قبضة فترة صعبة من حياتي، كنت أتذكر خلالها عم فكرى وهو يشير للخلفية الزجاجية السوداء، وكذلك كنت أتذكر المهاجر حين أقلب أنا أيضا الوسادة كل ليلة على الجانب الآخر حتى أستطيع أن أسند رأسي عليها بعد أن تبللت تماما

32 comments:

سمراء said...

عندما اكون قريبة من المطار وتحلق طائرة بالقرب مني محدثة ضجيجا مدوي ومزعج وهي طائرة سلمية يتوارد الى احساس المدنيين في مناطق الحروب عندما يسمعون هذا الصوت الذي يليه قصف ودمار وموت وتهجير وعدم استقرار بالتاكيد ان ذلك سيترك اثار بانفسهم اكثر قسوة من اي احساس اخر
عشت في بلد خليجي ورغم عدم فروق في اللغة ورغم صغر سني الا اني شعرت انه لم يكن اختياري فكان اختيار والدي ان نسافر لتحسين الوضع المادي كنت اشعر اني مرغمة على التواجد خارج وطني فما بالك بشخص اجبر على اللجوء الى بلد اخر فقد الوطن والامان والجذور بدون ارادة ؟؟؟؟؟؟
ليعينهم الله ولا يسمح لنا بتجربة قاسية مثلهم
احييك
سمراء

راجى said...

الحقيقة ان هذه الايام التى اعتدنا ان نصفها بالسوداء او غيره من الاوصاف الغير منصفة هى التى تصنعنا وتصقل خبراتنا بالحياة والدموع التى نذرفها هى رصيد يحسب لنا لا علينا
فهل يستوى القاعدون الساكنون والمجاهدون المتحركون ؟
لا يستوون

اجندا حمرا said...

ياحكاياتك ياروز

دايما بقول الله يكون في عون اللي شافوا و عاشوا ايام الحروب و بحاول اتخيل ازاي كانوا بيعيشوا في الأوقات الصعبه ديه و احاسيس اهاليهم بتكون ازاي؟

الغربه طبعا ساعات بتكون مش مجرد ان الواحد يسيب بلده ممكن نحس بالغربيه وسط اهالينا كمان لكن لما الواحد بيقعد يفكر في اللي سابوا اهاليهم غصب عنهم بيقول الحمدلله احنا احسن من ناس كتير

تحياتي ليكي علي اسلوب سردك الجميل و ربنا يرد كل واحد لوطنه

بنت القمر said...

امر بفترات بكل الالوان الاسود والكحلي والنيلي والكوبيا ولون قرن الخروب
:))
ولكن حين سافرت من شهور وعلي متن الطائرة انتابني احساس بضآله غريبه
ضآله البشر حين ترين المدن كبقع لون اوخطوط المواصلات كشرايين الايدي شعرت ان الحياه رحله قصيره جدا نبددها في صراعات لاتنتهي وذوات يصعب او يستحيل تحقيقها بشكل مرضي
او صراعات لا طائل ابدا من وراءها
ويكون المطلوب فقط قليل من السكينه والهدوء
يا رب الفترة دي ليكي تحمل لون اكثر اشراقا
تحياتي

soly88 said...

العزيزه روز عندما نمر بمحنه أو أيام سوداء تتقاطع مع مسيرتنا فى الحياه يتوقف بنا الزمن عندها ونعتقد ان تلك الايام السوداء لن تغادر ابد وعندما ترحل تترك بنا علامات من الصعب ان نتجاهلها حتى لو ادعينا لانفسنا ذلك ويعجبنى هذا القول : مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها أ,و فيه اغنيه لهانى شاكر بتقول : واهى أيام وتعدى وخلاص كانت بتعجبنى اوى كلمة ( وخلاص )

مثلية فقط said...

الأيام السوداء التي تبكي و توجع القلب هيدي أيام بتمر على الكل

في أيام بذكرنا بأيام ومراحل
مثل الأغاني يلي بتخلينا نبكي
بيرجع الحنين
بس طولي بالك و روقي
حمد الله أنو فيكي تفشي خلقك بالكتابة

بتمنالك راحة البال و السعادة

Sherif said...

c'est la vie madame ..

ربنا يحفظك من كل ما يثقلها من أحزان .. فلا تجدى الا وسادة لاتحمل لك الا أجمل الاحلام

Arabic ID said...

Dear black cairo rose

I wish those days end soon, and your smile to steal the sun shine once more

the days are as trains run on the both rails of aging and hope, and we don't know what lies beneath the horizon, but we hope it will be what we dreamed of.

-----------
Regards
and sorry for my English

مياسي said...

كالعاده يا روزا أسجل إعجابي بمواضيعك
حساسه ؛ واقعيه و من خبره عميقه

من هذا الذي لم يبلل وسادته يوما؟؟ أو يبكي على كتف صديقه قهرا و حزنا ؟؟

لقد أرقني هذا السؤال طويلا: أين هي سعادة الإنسان ؟؟ و لماذا كا هذا الشقاء؟

إلى أن جمعتني الظروف بإمرأه متزوجه في عيادة الأسنان التي كنت أتردد عليها و طرح الموضوع فلخصته لي في جمله واحده:

قال الله تعالى في كتابه: "خلق الإنسان في كبد"

و هذا قدر الإنسان و عليه أن يرضى به و يعيش

لكن الظروف الصعبه هي ما يصنعنا فعلا و يجعلنا أقوى؛ نخسر من براءتنا نعم و لكن لكل شيء ضريبه يا عزيزتي
تحياتي

someone in life said...

عزيزتي
اضاء الله ايامك .. هكذا هي الأيام احيانا سوداء و احيانا بيضاء ارثي لمن يعيش يومه وسط الحروب و الدمار لا يدري هل سيبقى للغد ام سيرحل
بكاء الليل صعب و قاسي جربته كثيرا في وحده او في غربة و الاصعب عندما تبكين في صمت في الليل الاسود فلو صدر صوت البكاء اذ ربما لن يكون هناك نهار
تحياتي

Desert cat said...

الظروف اجبرتنى منذ صغرى على تحمل مسؤليتى بنفسى
اغلب الاوقات مرت عليا سواء كاحلة وكنت اشعر بان على قلبى تلال من الهموم
دائما اصداق الاكبر منى لانى استمتع بحاكيتهم اللى تمدنى بخبراتهم فى الحياة
وحينما استمع الى حكاية انشق فيها طاقة من النور فى عز الظلام اشعر بالسعادة واشكر الله كثيرا على انى فى نعمة افضل من غيرى
ربنا يجعل كل ايامك سعادة وهناء
محبتى

kasber said...

ذكرتني كلماتك باليوم الذي كانت القوات الامريكيه ستضرب العراق فجرا
وكانت جميع محطات التلفزيزن تصور شوارع بغداد في الساعات القليله قبل القصف..وقتها كنت عائده مع احد صديقاتي بل لنقل بمثابة اخت لي
توقفت فجأة وسألتها ماذا لو كنا نحن الذين سيتم قصفنا بعد ساعات..ماذا كنتي ستفعلين...
سكتت قليلا ثم قالت سأجمع اهلي واهلك وانا وانتي وماء ومؤنه ...أما نعيش عيشه فل او نموت احنا الكل
ضحكت ولكني شعرت وانا اشاهد خلاء شوارع بغداد انها لم تجيب بغير يأس مضحك

مثلية تبحث عن ذاتها said...

روز المتألقه دائما اشتقت للقراءة لكتاباتك وجئت لألقي التحيه
واقول ان كل منا مرت عليه ايام يراها سوداء و دموع لا حصر لها و مواقف تدمي لها القلوب ولكن صديقتي لابد لكل حدث من ايجابيات فقدر حزننا قدر اثقالنا بالخبرة اتمنى لك السعاده

تحياتي

.:.-=- ELGaZaLy-=-.:. said...

عارفة يا روز انا قريت القصة كام مرة...

مرتين دة نادر جدااا بجد


مش هاعلق على القصتين لان التعليق واضح...

بس صدقينى حكايتك جعلت يومى متغير...


تحياتى

جسور سرية said...

العزيزة بلاك روز
منذ صغري و انا مولعة بالسياسة و العمل العام لذا انخرطت باكرا في نشاطات عدة في السودان...اتاحت لي هذه التجربة التعرف علي كثير من الخبايا و ما وراء كواليس...احساسي بالمآسي والحروب يكون مضاعفا لانني اعرف مايدور اكثر من باقي الناس....دائما كنت اقول ليتني لم افهم و لم يكن لي هذا العقل الذي يفكر و يدرس و يحلل....ربما كان وقع المصائب و الكوارث علي سيكون اقل بكثير مما هو عليه الحال الان !!!
علي العموم تعودت دائما ان اري في السواد نقطة بيضاء في ركن ما و في الوسادة المبللة زاوية ناشفة !!!

osama said...

ان القاسم المشترك بين الاكبر بات ولا شك ظلالا من السواد والقهر ولون احمر كثيف على الاسفلت...

وربما تكون الذكريات التي سردت قد قربت لك الصورة ، وجعلت لبكاء عزاء ، فهي وان كانت كئيبه فقد مرت وصارت ذكرى.. وستصير ايامك ذكريات باذن الله حين يعم الخير ..
فإن مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا


خالص تحياتي

blackcairorose said...

نعم سمراء أنا أيضا مازلت حتى الآن تفزعنى اصوات الطائرات خاصة عند هبوطها وارتطامها بالارض

فما بالنا لو تلازم ذلك مع انفجار؟

كريهة الحرب وتجربتها

blackcairorose said...

تصنعنا راجى ولكن احيانا قد يكون الثمن باهظا لدرجة لا ندرى معها اذا كانت الصلابة التى نكتسبها تستحق ما دفعناه فيها ام لا

blackcairorose said...

أحيانا أجنده أرى أن الاحساس بالمأساة لا يصبح فى أوجه وقت حدوث المأساة نفسها لأننا وقتها نكون ملهيين بشكل ما فى قدرتنا على البقاء وتسيير الامور سواء كنا نتحدث عن وفاة عزيز أو حرب ضخمة، ثم يأتى فى مرحلة تالية الاحساس بالخسارة والألم

ابعدنا الله عن هذه الحظات

خالص تحياتى

blackcairorose said...

بنت القمر
نعم ضآلة الحياة وصغر البشر

أكثر ما اتذكر هذين الامرين حين أرى شخصا ذا جبروت ولا يرحم الأخرين ويحيا كما لو كان يمتلك الكون ومافيه

حقيقة أولية بديهية ولكن كلنا نتناساها

blackcairorose said...

سولى

اقول دائما لنفسى ان الله سيختبرنا، ولكن ما اتمناه ان لا تكون التجربة تفوق طاقتى

أرى أحيانا آخرين يمرون بصعاب فاقول لنفسى لو مررت انا بهذه الصعاب بالذات لجننت تماما ولانتهيت

وهذا مغزنا الدعاء فى الاية الكريمة

ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به

blackcairorose said...

مثلية

الحمد لله الفترة التى كتبت عنها فى البوست راحت وانتهت بذيولها، ايامى الان اكثر اشراقا

يسعدنى دائما رؤية توقيعك فى مدونتى

blackcairorose said...

شريف

هدوءك والسلام مع النفس ملحوظ دائما فى كتاباتك سواء كان انعكاس حقيقى ام لا

اضف له الان السكينة بعد العمرة

جعل الله ايامك كلها اطمئنان

blackcairorose said...

ارابك ايد

الحمد لله انتهت بالفعل من زمن

كنت اتكلم عن فترة صعبة ماضية

وشكرا لامنياتك الطيبة يا عزيزى

blackcairorose said...

شكرا مياسى على الكلمات الطيبة

طبعا كلامك فى موضعه

ولكن

الا تعتقدى ان هناك صلة بين حديث السيدة عن عناء الانسان وحقيقة انها كانت تنتظر دورها لعلاج اسنانها؟؟؟

لول

علاج الاسنان من التجارب المؤلمة دون شك فى نظرى

اتذكر فى صغرى ذهبت ثلاث مرات للدكتور ليخلع احدى اسنانى وفى كل مرة كان يتوقف ويطالبنى بالعودة مرة اخرى من شدة خوفى

blackcairorose said...

Someone in life

لو صدر صوت البكاء ربما لن يكون هناك نهار؟؟؟

لهذه الدرجة ياعزيزتى كان حتى صوت البكاء ممنوع؟

blackcairorose said...

قطة الصحراء

شخصيتك القوية من الواضح انها لم تأت من فراغ ياعزيزتى

وكلنا نحب القصص التى تنشق فيها طاقة نور

تعطينا الامل والقدرة على المواصلة

blackcairorose said...

كاسبر

كما قلت لاجندا ان اوج الاحساس المأساة يكون بعد وقوعها بفترة

اضيف الان بعد قرائتى تعليقك ان انتظار الماساة أيضا أبشع

blackcairorose said...

مثلية تبحث عن ذاتها

كلماتك الرقيقة لها وقعها

وانا اتمنى لك السعادة ايضاوالتى تضمن العثور على الذات

blackcairorose said...

شكرا الجزالى على كلماتك

واهلا بك فى المدونة

اسعدنى مروك وتعليقك

blackcairorose said...

ثمن المعرفة يا جسور لا نستهين به

عرفت فى الماضى صديقة سودانية دفعت من اجل مواقفها واراءها ثمنا لا يستهان به حين اخذ الأخرون يصنفون ويستبعدون ويجعلون افكارها إما تصريح للعبور أو إذن بالاعدام

فتركت له ما شاءوا وفازت بمبادئها

وهو ما يحدث فى بلادنا جميعا

blackcairorose said...

اسامة

اشتقت لكلماتك التى اصبحت بخيلة حتى فى مدونتك

نعم منذ يومين علقت فى مدونة عزيزة ان التشاؤم اصبح ملحوظا للغاية فى تدوينات الكثيرين

ليست مصادفة